Submitted by jarelkamar on Wed, 01/07/2009 - 4:42pm.
 
..
و لهذا السبب عمد الكثيرون منهم الى إقفال البوابات الأمامية بإحكام عندما غادروا بيوتهم . و الذين كان لديهم المزيد من الوقت , جدوا في جمع مستنداتهم القانونية - من صكوك ملكية و خرائط بساتين البرتقال و من بيانات ضريبية و أوراق إثبات شخصية تعود لفترة الحكم العثماني - ووضعوا كل هذا في حقائب و علب الى جانب متاع العائلة و المجوهرات و مفاتيح الأبواب . وتصوروا انه إذا اسعفهم الحظ فإن بيوتهم ستنجو من السطو و أن أي نزاع قد يحصل حول حقوقهم سوف يتم حسمه بسهولة عند إبراز هذه الصكوك الهامة الملفتة للنظر لأن بعضها قديم جدا يحمل إشارة الباب العالي.

قدر لهذه الأوراق و المفاتيح ان تكون أكثر ممتلكات الفلسطينيين رمزية و أقلها قيمة . و ما أسبغوه عليها من أهمية أخذت تشتد إيلاما عندما تحولت الأيام و الأشهر خارج أرضهم إلى سنوات . أما الجيل الثاني من الفلسطينيين كالذين ولدوا في لبنان على سبيل المثال فيتذكرون جيدا كيف كان ذووهم يرمون بحنق هذه المفاتيح في بداية الخمسينات , و كيف أن المستندات التي حرصوا عليها أشد الحرص في أيام منفاهم الأولى قد ضاعت أو اتلفت بعد ان أصبحت قيمتها الفعلية واضحة للعيان . فهي أدوات ثبوتية لعالم أختفى من الوجود . فمفاتيح الحديد الضخمة الداكنة ذات المقابض المزينة كانت بمثابة وعد بالعودة حطمه التاريخ . فأصحاب البيوت الجدد حرموا عليهم العودة و بدلوا الأقفال .


(...)

و في مخيم شاتيلا في بيروت شاهدت عام 1977 لأول مرة واحدا من تلك المفاتيح . و كنت عندئذ أجري مقابلة مع أسرة مؤلفة من أربعة أشقاء و شقيقتين فضلا عن الأب و الأم والجدة من ناحية الأب . و كان موضوع المقابلة وجودهم في مدينة هي اليوم تحت مراقبة المخابرات السورية ؟ الأمر ممكن . هل جرى توقيف أحد من أفراد العائلة ؟ ربما . و هل يعتبرون ياسر عرفات ممثلهم الحقيقي ؟ بالطبع . و الغريب أن اعمق الأسئلة تظفر بأقل اهمية في مثل هذه المقابلات . و على أي حال سألتهم : هل يعتقدون حقا بأنهم سيعودون الى فلسطين ؟ عندها , قامت الجدة و دلفت الى سقيفة صغيرة تنام فيها , ثم عادت حاملة شيئا ما ملفوفا بمنديل , وقالت بعد أن اخرجته : ( انه من بيتنا في حيفا ) . وكان ذلك مفتاحها الحديدي القوي الذي علاه الصدأ و احتفظت قبضته بلمعانها . كم من العائلات تحتفظ بمفاتيحها ؟ إنهم لا يعرفون . و الجدة وحدها هي التي سمح لها سنها المتقدم بالعيش فترة في فلسطين . اما ابنها و افراد عائلتها الاصغر يعتبرون المفتاح مفتاح (منزلهم ) , تماما كما يعتبرون حيفا مدينتهم رغم انهم لم يروها قط .

(...)

و مرت عدة ثوان قبل ان اتعرف على ملامح الضابط الفلسطيني من منظمة التحرير الذي كان يدافع عن المخيم الفلسطيني و يقصف المنطقة الواقعة في محيط مستوطنة بن عامي - انه حسن زمزم , نجل فاطمة زمزم , وهو حسن نفسه الذي خرجت به امه وهو طفل عمره اربعون يوما من أم الفرج سنة 1948 , وهي و العائلة في طريقهم للمنفى . وهكذا فإن ابناء الذين جردوا من ممتلكاتهم , يقومون بمهاجمة اولئك الذين جروا على أبائهم تلك الحالة من البؤس .

حقا لقد دارت الحرب دورتها الكاملة .

------------------------------
 
مقتطفات من كتاب روبرت فيسك ( ويلات وطن )

انظر أيضا هنا